يحذر الصحفي فيليب إنمان من أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران قد تطلق موجة تضخم عالمية تهدد التعافي الاقتصادي الهش الذي بدأ يتشكل هذا العام، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب أسواق المال وسلاسل الإمداد.
ويشير تقريره الذي نشرته صحيفة الجارديان إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة الصراع يدفع خبراء الاقتصاد والبنوك المركزية إلى مراجعة توقعات النمو العالمي، بينما يزداد القلق من أن يؤدي استمرار الحرب إلى زيادة أسعار السلع والخدمات حول العالم.
صدمة الطاقة تهدد الاقتصاد العالمي
حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يترك أثرًا واضحًا على الاقتصاد العالمي. وأوضحت أن زيادة أسعار الطاقة بنسبة 10% لمدة عام كامل قد ترفع معدل التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية وتخفض النمو الاقتصادي العالمي بنحو 0.1 إلى 0.2 نقطة.
ورغم أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة على الصمود أمام أزمات متتالية، فإن الحرب الجديدة تضيف صدمة أخرى إلى سلسلة الاضطرابات التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة.
ويرى بعض الاقتصاديين أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل قد لا يكون الخطر الوحيد. فقد يؤدي قصف إيران إلى اضطراب الأسواق المالية العالمية التي تعاني أصلًا من مخاوف تتعلق بارتفاع تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي وتأثير الرسوم الجمركية الأمريكية.
ويقول الاقتصادي جيم أونيل إن الحرب اندلعت في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من هشاشة واضحة، ما يزيد احتمال حدوث اضطرابات أوسع.
النفط ومضيق هرمز في قلب الأزمة
يشكل النفط العامل الأكثر حساسية في هذه الأزمة الاقتصادية. إذ يمر نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو ممر بحري استراتيجي في الخليج.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن انخفاض الإمدادات النفطية بنسبة 1% قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بنحو 4%. وإذا أغلقت إيران المضيق عدة أشهر فقد ترتفع الأسعار بنحو 80% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، ليصل سعر البرميل إلى نحو 108 دولارات.
وتعرضت عدة دول خليجية لهجمات إيرانية على بنى تحتية حيوية مثل المطارات ومصافي النفط ومنشآت الغاز في السعودية والإمارات والكويت. كما يخشى محللون أن تستهدف إيران محطات تحلية المياه المنتشرة في الخليج، وهو ما قد يخلق اضطرابات اجتماعية في المنطقة.
ويرى بعض الخبراء أن التصعيد العسكري قد يدفع دول الخليج إلى إعادة النظر في تحالفاتها الاستراتيجية، خصوصًا إذا شعرت بأن الولايات المتحدة شريك غير موثوق. وقد يؤدي ذلك إلى تقارب أكبر مع قوى صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل.
تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف المعيشة
تتوقع مؤسسات اقتصادية أن يرفع الصراع معدلات التضخم في أوروبا خلال الأشهر المقبلة. وتشير تقديرات شركة “أوكسفورد إيكونوميكس” إلى أن التضخم في بريطانيا ومنطقة اليورو قد يرتفع بنحو 0.5 إلى 0.6 نقطة مئوية بحلول نهاية العام مقارنة بالتوقعات السابقة.
كما يتوقع معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية البريطاني انخفاض معدل النمو في بريطانيا ومنطقة اليورو بنحو 0.2 نقطة مئوية هذا العام. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الاستثمار وارتفاع تكاليف الاقتراض وتفاقم الضغوط على المالية العامة.
وفي بريطانيا ارتفعت أسعار الوقود منذ بداية الصراع، إذ زاد سعر الديزل بنحو 5 بنسات للتر ليصل إلى أعلى مستوى منذ عام 2024، بينما ارتفع سعر البنزين بنحو 3 بنسات.
وتضغط هذه الزيادات على الأسر التي تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف المعيشة. وتظهر استطلاعات رسمية أن 88% من البريطانيين يرون أن تكلفة المعيشة تمثل القضية الأكثر أهمية في البلاد.
وفي الولايات المتحدة يشعر المستهلكون أيضًا بتأثير ارتفاع أسعار النفط. فقد ارتفعت أسعار خام برنت بنحو 17%، وهو ما انعكس سريعًا على أسعار الوقود في محطات البنزين. وتشير بيانات خدمات متابعة الأسعار إلى زيادة متوسط سعر الوقود بنحو 15 سنتًا للغالون خلال أيام قليلة.
ويخشى اقتصاديون أن تؤدي اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية إلى ارتفاع تكاليف السلع في الولايات المتحدة، وهو ما يزيد الضغوط السياسية على إدارة الرئيس دونالد ترامب في ظل استياء واسع من ارتفاع الأسعار.
معضلة أسعار الفائدة
تواجه البنوك المركزية معضلة صعبة في التعامل مع هذه التطورات. فرفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم قد يضر بالنمو الاقتصادي، بينما يؤدي خفضها إلى زيادة الضغوط التضخمية.
ويتوقع بعض المحللين أن يحافظ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على أسعار الفائدة دون تغيير في الوقت الحالي لمراقبة تطورات الحرب قبل اتخاذ أي قرار.
وفي بريطانيا يدعو بعض خبراء الاقتصاد إلى تجنب رفع أسعار الفائدة لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة المستوردة من الشرق الأوسط، لأن ذلك قد يفاقم تباطؤ الاقتصاد ويرفع معدلات البطالة.
لكن خبراء آخرين يذكرون بأن تأخر البنوك المركزية في رفع الفائدة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا ساهم في تفاقم التضخم العالمي. لذلك قد يختار كثير من صناع السياسة النقدية التحرك بسرعة أكبر هذه المرة إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع.
وفي ظل هذه الظروف يتزايد القلق من أن تؤدي الحرب في إيران إلى موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية العالمية، ما يهدد بتعطيل مسار التعافي الذي بدأ يتشكل بعد سنوات من الأزمات المتتالية.
https://www.theguardian.com/business/2026/mar/08/iran-israel-us-war-inflation-interest-rates-global-economy-middle-east

